محمد بن جرير الطبري

185

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقد مضى البيان عن نَظير ذلك فيما مضى . ( 1 ) وأجيبت " لو " بجواب الأيمان . ولا تفعل العربُ ذلك إلا في الجزاء خاصة ، لأن الجزاء مُشابه اليمين : في أن كل واحد منهما لا يتم أوّله إلا بآخره ، ولا يتمُّ وحده ، ولا يصحّ إلا بما يؤكِّد به بعدَه . فلما بدأ باليمين فأدخلت على الجزاء ، صَارَت " اللام " الأولى بمنزلة يَمين ، والثانية بمنزلة جواب لها ، كما قيل : " لعمرك لتقومَنَّ " إذ كثرت " اللام " من " لعمرك " ، حتى صارت كحرف من حروفه ، فأجيب بما يجاب به الأيمان ، إذ كانت " اللام " تنوب في الأيمان عن الأيمان ، دون سائر الحروف ، غير التي هي أحقُّ به الأيمان . فتدلّ على الأيمان وتعمل عمل الأجوبة ، ولا تدلّ سائر أجوبة الأيمان لنا على الأيمان . ( 2 ) فشبهت " اللام " التي في جواب الأيمان بالأيمان ، لما وصفنا ، فأجيبت بأجوبَتها . * * * فكانَ مَعنى الكلام - إذ كان الأمر على ما وصفنا - : لو أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك . * * * وأما قوله : " وما أنتَ بتابع قِبلتهم " ، يقول : وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم . وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها ، وأن النصارى تستقبل المشرقَ ، فأنَّى يكون لك السبيل إلى اتباع قِبلتهم . مع اختلاف وجوهها ؟ يقول : فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها ، ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها . * * * وأما قوله : " وما بعضهم بتابع قبلة بعض " ، فإنه يعني بقوله : وما اليهود بتابعةٍ

--> ( 1 ) انظر ما سلف 2 : 458 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 84 . ( 2 ) قوله : " أجوبة الأيمان لنا على الأيمان " هذه عبارة غامضة ، لم أظفر لها بوجه أرتضيه ، وأنا لا أشك في تحريفها أو نقصها .